سيف الدين الآمدي

37

أبكار الأفكار في أصول الدين

الفصل الرابع في أن مخالف الحق من أهل القبلة هل هو كافر أم لا ؟ [ المسلمون قبل ظهور الفرق ] وقبل النظر في تحقيق الحق ، وإبطال الباطل من ذلك ، لا بد من الإشارة إلى فرق المخالفين ، وأرباب المقالات من الملّة الإسلامية ، والتنبيه على مقالة كل فريق ، وفي خلال ذلك يلوح الكفر من الإيمان . فنقول : اعلم « 1 » أن المسلمين كانوا عند وفاة النبي صلى اللّه عليه وسلم ملة واحدة ، وعلى عقيدة واحدة ، غير من كان يبطن النفاق ، ويظهر الوفاق - ثم نشأ الخلاف فيما بينهم . [ نماذج من الاختلافات التي استطاع المسلمون التغلب عليها ] أولا : في أمور اجتهادية ، كان غرضهم منها ، إقامة مراسم الشّرع ، وإدامة مناهج الدين ، لا توجب إيمانا ، ولا تكفيرا : وذلك كاختلافهم عند قول النبي - صلى اللّه عليه وسلم - في مرض موته : ( آتوني بداوة وقرطاس اكتب لكم كتابا لا تضلوا . . ) حتى قال عمر - رضي اللّه عنه - إنّ النبي - صلى اللّه عليه وسلم - قد غيبه الوجع حسبنا كتاب الله وكثر اللغط في ذلك حتى قال النبي - صلى اللّه عليه وسلم - : « قوموا عنى لا ينبغي عندي التنازع » « 2 » . وكاختلافهم بعد ذلك في التخلف عن جيش أسامة ، وقد قال النبي - صلى اللّه عليه وسلم - : « جهزوا جيش أسامة لعن من تخلف عنه » « 3 » . حتى قال قوم بوجوب الاتباع ، وقال قوم بالتخلف ، انتظارا لما يكون حال رسول الله - صلى اللّه عليه وسلم - في مرضه .

--> ( 1 ) جرت عادة المتكلمين وكتاب الفرق على ذكر أسباب افتراق الأمة ، ومنشأ الخلاف بينها وقد استفاد الآمدي ممن سبقه ، وأثّر فيمن أتى بعده . انظر : مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين ص 34 وما بعدها . الفرق بين الفرق للبغدادي ص 4 وما بعدها . والملل والنحل للشهرستاني 1 / 21 وما بعدها فقد اختصر الآمدي ما كتبه الشهرستاني في الملل والنحل في هذه المقدمة وانظر أيضا اعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي ( كله في هذا الموضوع ) . والتبصير في الدين لأبى المظفر الأسفراييني ص 12 وما بعدها . وممن استفاد من الآمدي ونقل عنه شارح المواقف الشريف الجرجاني فقد نقل نص الآمدي من أول قوله قائلا : « قال الآمدي : كان المسلمون عند وفاة النبي صلى اللّه عليه وسلم . إلى قوله حتى تفرق أهل الإسلام وأرباب المقالات فيه إلى ثلاث وسبعين فرقة » ( الأبكار 2 / ل 243 / ب إلى ل 244 / أ ) . وهذا يؤكد ما ذهبت إليه من أنّ الإيجي لخص كتاب الأبكار في كتابه المواقف . كما أن شارح المواقف الشريف الجرجاني قد اعتمد في شرحه على الأبكار أيضا . ( 2 ) قارن بما ورد في الملل والنحل للشهرستاني 1 / 22 ، وتذييل شرح المواقف للجرجاني ص 1 والحديث في الطبقات الكبرى 2 / 242 وما بعدها ( باب في ذكر الكتاب الّذي أراد رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أن يكتبه في مرضه الّذي مات فيه ) وقد رواه ابن سعد عن عمر رضي اللّه عنه . ( 3 ) قارن بما ورد في الملل والنحل للشهرستاني في 1 / 23 ، وتذييل شرح المواقف ص 1 والحديث أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى بلفظ مقارب 2 / 48 وما بعدها باب ما قاله رسول الله صلى اللّه عليه وسلم في مرضه لأسامة بن زيد .